نخبة من الأكاديميين

362

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

البابوية بالتعاون مع فرسان مالطا ورودس وبعض الإمارات البلقانية في شرق أوروبا أن تقيم حلفاً صليبياً للوقوف في وجه الزحف العثماني من جهة الغرب والمتوسط . هاتان الحركتان : الخروج إلى المحيطات والاستيلاء على بواباتها وممراتها ومحاولة السيطرة على حوض المتوسط كان لهما تأثير كبير على الجغرافية السياسية والبشرية للعالم الإسلامي آنذاك سواء من ناحية أقاليمه الداخلية وجغرافيتها السياسية أو من ناحية أطرافه القارية والمحيطية : كالبحر الحمر والخليج . ولعله عبر هاتين الحركتين ستتحدد مصائر العالم الإسلامي ودوله القديمة والحديثة في العصر الحديث ، وأبرزها آنذاك المماليك والعثمانيون والصفويون . فما كانت أوضاع هذه الدول حين حصول هذا المسار في " تغير العالم " . أوضاع الدول الإسلامية : كانت دولة المماليك التي امتد نطاقها الجغرافي السياسي على مصر وبلاد الشام وقسم من العراق وشبه الجزيرة العربية تمر بآخر أيامها ، بعد احتكارها في القرون السابقة تجارة البحر المتوسط مع المدن الإيطالية وخاصة مع جنوه والبندقية . ومع تراجع قيمة البحر المتوسط وسيطرة البرتغاليين على منافذ العالم الإسلامي على المحيطات ، وجد المماليك أنفسهم محاصرين اقتصادياً وعاجزين عن التصدي للسيطرة البرتغالية على البحر الأحمر والخليج ، كما وجدوا أنفسهم في حالة إرباك وخوف حيال قوتين ناميتين في ديار الإسلام ( قوة العثمانيين في الأناضول والرومللي ، وقوة الصفويين في إيران وشرق العراق ) ، فاتبعوا سياسة الحذر والتردد دون جدوى « 1 » . أما العثمانيون ، فقد ركزوا خلال القرنين ( الرابع عشر والخامس عشر ) لجهة الغرب ، فأسقطوا القسطنطينية واحتلوا قسماً كبيراً من بلاد البلقان . كما أنهم استطاعوا إثبات قوتهم في حوض البحر المتوسط ، وتمكنوا في النصف الأول من القرن السادس عشر أن يمنعوا الاحتلال الإسباني لشمالي إفريقيا بعد طرد المسلمين من الأندلس ، وذلك بالتعاون مع القوة البحرية التي نظمها وقادها عروج وأخوه خير الدين بربروسا في عهدي سليم وسليمان « 2 » . أما من ناحية حدودهم الجنوبية والشرقية ، فقد وجدوا أنفسهم حيال دولتين مسلمتين : الأولى : الدولة الصفوية التي تأسست في إيران وحملت عبر مشروع إسماعيل المؤسس طموحاً استراتيجياً كبيراً يتجاوز إيران ليصل غرباً إلى الأناضول والعراق وبلاد الشام ، أي إلى مرافيء المتوسط الضرورية لتصدير حرير إيران الشهير آنذاك . وكانت بغداد سقطت كمؤشر أول لطموح هذا المشروع بيد الشاه إسماعيل « 3 » . أما الدولة الثانية فهي دولة المماليك التي لم تكن لتؤلّف خطراً توسعيّاً ، ولكنها كانت على كل حال تؤلّف نوعاً من الجمود السياسي والعجز في منطقة المشرق العربي المستقطبة من داخل قوى الإسلام

--> ( 1 ) . Fernand Braudel , La Mediterranee et le monde mediterraneen a` lepoque de Philippe II 2 e ed , Paris , A colin , 1966 , p . p 490 499 . ( 2 ) . قارن حول أوضاع المماليك في أواخر عهودهم : مصطفى أحمد عبد الرحيم ، في أصول التاريخ العثماني ، بيروت ، دار الشروق ، ط 1972 . ( 3 ) . للتوسع راجع : كارل بروكلمن ، تاريخ الشعوب الإسلامية ، نقله إلى العربية نبيه أمين فارس ومنير بعلبكي ، بيروت ، دار العلم للملايين ، 1997 ، ص 454 - 453 .